لربَّما لا شيء في هذا العالم أكثر إثارةً للحيرة من ذلك الشُّعور المُراوغ الذي يتسلَّل إلينا بعد أن تبتعد فرصةٌ ما عن متناول أيدينا، فنقف على أعتاب الحيرة، لا نعرف تمامًا كيف نُفسِّر ما حدث، هل كنَّا حقًّا غير مستعدِّين بما يكفي؟ أم أنَّنا كنَّا أسرى لحظةٍ من التَّردُّد القاتل الذي جعل الزمن يمضي ونحن لا نزال نُوازن بين الاحتمالات التي كان ينبغي أن نُبادر إليها دون انتظارٍ إضافي؟ ذلك الإحساس المتناقض الذي يجعل المرء يُحدِّق طويلًا في نقطةٍ ما في الفراغ، وكأنَّه يبحث عن تفسيرٍ يُخفِّف من ثُقل الفقد، أو عن إجابةٍ تُبرِّر له كيف سمح لشيءٍ بهذه القيمة أن يمرَّ أمام عينيه دون أن يُمسك به بكلتا يديه، وكأنَّه كان يظنُّ أنَّ القدر أكثر سخاءً مما هو عليه في الحقيقة، أو أنَّ الزَّمن سيُعيد تدوير الأحداث مرَّةً أخرى ليمنحه الفرصة ذاتها وكأنَّ شيئًا لم يكن.
لكن الحياة ليست بهذا اللَّطف الذي نتصوَّره، ولا الوقتُ بهذا الكرم الذي نطمح إليه، فالفُرص لا تنتظر حتى ننضج بما يكفي لاحتضانها، ولا تتباطأ حتى نكون على يقينٍ تامٍّ بها، ولا تعيد نفسها مرَّتين بالهيئة ذاتها حتى نكون في الموعد الصحيح معها، وإنَّما تمضي في مسارها مثل سهمٍ يُطلق مرَّةً واحدةً نحو هدفه، لا ينحرف عن مساره، ولا يلتفت إلى الخلف، ولا يمنحنا فرصةً أخرى لنُفكِّر في الأمر برويَّةٍ أكثر، ولو كان العالم يسير وفق مزاجنا، ولو كان بإمكاننا أن نعيد عقارب السَّاعة إلى الوراء لمَحو التَّردُّد واستبداله بقرارٍ يتَّسم بالجرأة، لكان الأمر مختلفًا تمامًا، لكن الفارق بين الواقع والأمنيات هو هذه المَسافة الدَّقيقة التي تتسرَّب من بين أيدينا كالمَاء، دون أن نملك السَّيطرة عليها، ودون أن نملك القدرة على استعادتها حين نُدرك فجأةً أنَّها كانت ذا قيمةٍ أكبر مما ظنَنَّا حين كانت بين أيدينا.
لكن، لِنَكُن أكثر وضوحًا، هل يجب أن نُسائل أنفسنا عن كلِّ فرصةٍ فاتتنا، وكأنَّها كانت قدَرًا محتومًا علينا أن نغتنمه؟ أم أنَّ فوات الفرص لا يعدُّ دائمًا علامةً على الفشل، وإنَّما أحيانًا يكون هو ذاته جزءًا من مسارٍ مُتشعِّب، لم نكن لنراه بوضوحٍ إلا بعد أن فقدنا ما ظنَنَّا أنَّه كان هو السَّبيل الوحيد للنَّجاح؟ إنَّنا لا نرى الطُّرق المُتفرِّعة حين نكون واقفين في نقطة القرار، لكنَّنا نُبصرها بأثرٍ رجعي، حين نكتشف أنَّ ما فاتنا كان يجب أن يفوت، لأنَّه لم يكن الطَّريق الصحيح، وإنَّما مجرَّد إغراءٍ زائفٍ، أو بابًا يُفتح على دروبٍ لم تكن تناسبنا حقًّا.
كم من فرصةٍ كُنَّا نظنُّ أنَّها الحلم الذي سعينا إليه، وحين أفلتت من أيدينا شعرنا أنَّ الحياة قد ضاقت بنا، ثم ما لبثنا أن اكتشفنا بعد زمنٍ أنَّها لو تحقَّقت، لكان مصيرنا مختلفًا تمامًا، وربَّما أسوأ ممَّا نحن عليه اليوم؟ كم من وظيفةٍ اعتقدنا أنَّها ستحقُّق لنا الاستقرار، لكن عدم حصولنا عليها قادنا إلى مجالٍ آخر لم يكن ليخطر ببالنا، لكنَّه كان مُسنجمًا بروعةٍ – لا تُضاهى – مع حقيقتنا؟
لذا، فواتُ الفرص لا يفسَّر دائمًا على أنَّهُ خسارة، لأنه في الوقت ذاته قد يكون إنقاذًا من خياراتٍ كنَّا سنندم عليها لاحقًا، أو طريقًا مغلقًا كنَّا سنكتشف بعد قطعه أنَّه لم يكن يؤدِّي إلى حيثُ نُريد، لكن الإنسان، بطبعه، لا يرى الحكمة في لحظات الفقد، وإنَّما يراها حين تتكشَّف له الفصول التَّالية من حياته، حين يتذكَّر الفرصة التي بكى عليها يومًا، ويضحك لأنه بات يُدرك الآن أنَّه لم يكن ليُصبح الشَّخص الذي هو عليه اليوم لو لم يفقدها في ذلك الحين.
ولذلك، لا يمكن أن نرسِّخ في أذهاننا بأنَّ كلَّ ما فاتنا كان يجب أن يكون لنا، وليس كلُّ ما لم نحصل عليه هو خسارة، فبعض الفرص التي نُلاحقها بجنونٍ قد تكون في حقيقتها فخاخًا متنكِّرةً في هيئة أحلام، وبعض الأبواب التي تُغلق أمامنا، قد تكون هي الحماية التي لم نكن نعي حاجتنا إليها، وبعض الأحلام التي نفشل في تحقيقها، قد تكون مجرد جسرِ عبورٍ باتِّجاهِ أحلامٍ أكبر، لم تكن لتظهر لنا إلا بعد أن ظننَّا أنَّنا خسرنا كلَّ شيء.
وفي نهاية المَطاف، الفُرص التي فاتتنا ليست سوى اختباراتٍ صغيرةٍ لقدرتنا على تقبُّل حكمة الحياة، وقبول فكرة أنَّنا لا نتحكَّم في كلِّ شيء، وأنَّ بعض القرارات، حتى وإن لم نتَّخذها بأنفسنا، قد تكون في صالحنا أكثر ممَّا لو امتلكنا القدرة على التَّحكُّم في مجرى الأمور، ففي كثيرٍ من الأحيان، لا تكمنُ الأهميَّة في أن نمتلك كلَّ فرصةٍ تأتينا، وإنَّما في أن نُدرك متى تكون الفرصة مناسبةً حقًّا لنا، ومتى يكون فواتها جزءًا من نضجنا، ودرسًا نتعلَّم منه، لا جرحًا نعيش أسيرين له.
وهنا، عندما نتأمَّل في معنى الفرص التي فاتتنا، لا يبقى في القلب إلَّا الامتنان لما اختاره الله لنا، فكم من طريقٍ ظننَّاه خلاصًا فإذا به مهلكة، وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا فحفظنا من سوءٍ لم نكن لنُبصره بأعيننا القاصرة، وكم من حلمٍ تأخَّر علينا، وحين جاء، جاء في التَّوقيت الذي كنَّا فيه بنضجٍ أكبر لاستقباله، وأكثر وعيًا بقيمته، وأكثر إدراكًا لمعناه الحقيقي، فليس كلُّ ما نتمناه صالحًا لنا، وإنما تتجلَّى حكمة الله في أن يمنع عنَّا ما لا يناسب طرقنا، ولو أوجعنا فواته، ويُمهِّد لنا طريقًا آخر قد لا نراه اليوم، لكنَّنا حين نبلغه، سندرك أنَّ كلَّ منعٍ كان حماية، وكلَّ تأخيرٍ كان تهيئة، وكلَّ فرصةٍ فاتت لم تكن لنا، لم تكن مكتوبةً لنا من البداية، وأنَّ الخير كلَّه كان دائمًا هناك، في التسليم لما اختار الله، والرضا بما كُتب، والثقة بأنَّ الأقدار تُدار بعينٍ لا تغفل، وبيدٍ لا تُخطئ، وبحكمةٍ لا يُدركها عقلٌ محدود، فالحمدُ لله على ما أُعطينا، والحمد لله على ما مُنعنا منه، والحمد لله الذي يُدبِّر شؤوننا بما لم نكن لندبِّره لأنفسنا لو وُكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين.