You are currently viewing متى سقطت الدهشة من قاموس أيَّامنا؟ وكيف نستعيدها؟

متى سقطت الدهشة من قاموس أيَّامنا؟ وكيف نستعيدها؟

ربَّما، بعد طول كَدٍّ وعناء، يفيق الإنسان وهو يلاحق أنفاس هذا العصر اللاهث، وقد أرهقته دوَّامة الامتلاك وسُعارُ الاستهلاك؛ موقنًا أنَّنا أحوج ما نكون اليوم إلى: [نكسِ راياتِ الوهم، وقلبِ الهرم المادِّي رأسًا على عقب]، لتعود [البساطة] فتعتلي ذُروةَ السَّنام.

يحدثُ ذلك تحديدًا حين تحاصرنا تلك الأسئلة التي طالما أدرنا ظهرنا لها: هل تُغني كثرة الأشياء حقًّا؟ وهل تُشبع وفرة المعروض جوع القلب؟

عودًا إلى أصلِ الخِلقة، وإجابةً شافيةً لتلك الأسئلة المذكورة آنفًا، تأتي البساطة هنا لتفرض منطقَها كقوةٍ تُعيدُ للإنسان إنسانيَّتَه؛ بحيث تبدأُ أوَّلًا بخلع رداء الرَّفاهيَّة [الزَّائد عن الحاجة] الذي حجب الرؤية والبصيرة، لتنتقل بعدها إلى ترميم جدران الطمأنينة المتداعية والمتهالكة. وفي ذلك المقام، [في ذلك المقام حصرًا]، يستشعرُ المرء لذَّة الاستغناء، مُكتشفًا في حدِّ الكفاف ثراءً، وفي اعتزالِه [الوجدانيِّ] لضوضاء القطيع قمَّة السكينة وطوقَ النجاة.

يحدث هذا لأنَّ المرء حين يرتمي في أحضان الكثافة الحسِّيَّة، يفقد، ويا للأسف، حاسَّةً لطيفةً كانت بمثابة حبلِه السِّريِّ الموصول بالملأ الأعلى؛ وأعني هنا تلك الفطرة السَّليمة التي تمنحُه القدرة على استجلاء الرَّوعة في المألوف والعاديِّ، واستشعار السَّكينة في الشيء اليسير. وإنه لمن سخريَّة الأقدار أن تُصبح هذه الذَّائقة الصَّافية نسيًا منسيًّا، أو ترفًا يُزهد فيه، مع أنَّ الجمال الصِّرف يتنفَّس بجوارنا، ينتظرُ فقط فؤادًا غير مُكدَّسٍ بالأثقال ليعانقَه في ضحكة طفل، أو في جلسةٍ بقرب من يُحبُّ، أو في عبور سحابةٍ بيضاء. والحقُّ الذي لا مراءَ فيه، أنَّ تجريد الإنسان من هذه الملَكَة يُحيلُه مسخًا جائعًا، يلهثُ خلفَ غريزةِ المتعة الزَّائلة مُضَيِّعًا أصلَ السَّعادة السَّرمديَّة، ليظلَّ يدور في رَحَى [المزيد] المُهلِكة، يطحنُ أيَّامَه في سعيٍ عقيمٍ لا يُسمن الرُّوح ولا يُغني جوع القلب، وإنَّما يُحِيلُ باطنَه قفرًا يبابًا رغمَ اخضرار الظَّاهر.

ومن قلب تلك المعاناة والمكابدة، يتَّضح لنا بجلاء [ولو بعد حين]، أنَّ هذا الجمال الدَّاخليَّ الهشَّ، وتلك السَّكينة الرُّوحيَّة التي نستجديها، لن يكتب لها أن تصمد دقيقةً واحدةً، [ولربَّما أراني أبالغ مجازًا بجعلها دقيقةً كاملة]، في عراء الواقع إذا تجرَّدت من [درعٍ واقٍ] يكفُّ عنها رياح المُشتِّتات وغبار العصر المتطاير. ومن هذا المنطلق، يصبحُ الذَّود عن حياض النَّفس أولويَّة ومُهمَّة [لا غنى عن الإقدامِ عليها]؛ ومردُّ ذلك أنَّ ذواتنا بمثابة بيوتٍ لها منافذ، وتركُ نوافذِ القلب والعين والأذن مفتوحةً [مستباحةً] على مصراعيها لكلِّ طارق؟ يُعَدُّ إذنًا صريحًا بخرابِ البيت، وانحراف معايير السَّعادة فيه.

ولأجل استعادة العافية، يلزمنا التَّمسُّك بثلاث ركائز كبرى، [لا تستقيم إحداها دون الأخرى]:

  • [حفظُ حُرمةِ المنزل الداخلي]؛ فالقلب والعقل والأذن والعين بمنزلة البيت الآمن، ولا يليقُ بصاحب البيت ذاك أن يشرِّع أبوابَه لكلِّ طارق، والحكمةُ هنا تقتضي أن ننتقي مَن نُجالسُهم من الأفكار والأخبار وكل ما يدخل إلينا، بنفس الطريقة التي ننتقي بها أطايب الضيوف.
  • [توطينُ النفس على الغفلة المحمودة]؛ ونعني بها أن يتعلَّم المرءُ فنَّ الجهل بما لا ينفعه، وألا يمدَّ عينيه إلى [زينة الحياة الدنيا] التي تكون في أيدي الآخرين؛ صيانةً لقلبهِ من نيرانِ المقارنة، وحمايةً لروحهِ من شتاتِ التتبُّع، والقاعدةُ هنا واضحة؛ أي [من اشتغلَ بغيره، حُرِم أُنسَ نفسِه].
  • [عِزَّة الترك]؛ وهي أن يتربَّى القلب على عِزَّة الترك للمُلهيات وإن كانت دانيةَ القطوف، أي لا يمدُّ يده لكلِّ متاح، وإنَّما يختارُ التخفُّف طواعيةً ليبقى خفيف الحِمل، ونقيَّ السريرة، وبعيدًا عن ذُلِّ الحاجة للتَّرف، وتلك مهارة ينبغي أن نُربِّي أنفسنا عليها في التَّمييز بين ما [نشتهيه] وما [نحتاجه] فعلًا، والقاعدة في ذلك واضحة أيضًا؛ أي أنَّ [كلُّ متعةٍ تَستعبدُ شعورك، أنتَ أفقرُ الناس إليها، حتى وإن كنت تملك ثمنَها].

لن نكون مبالغين إن اعتبرنا عدم التمييز بين اللذَّة الحسِّيَّة والسَّعادة القلبيَّة هو أعظمُ مآزق هذا العصر؛ وذلك لأنَّ اللذَّة الاستهلاكيَّة مشروطةٌ ومتناقصةٌ وتعمل كمخدِّرٍ للألم، بينما السعادة القلبيَّة هي حالة امتلاءٍ داخليٍّ لا تُستجدى من الخارج. وبناءً عليه، فإنَّ تعليق القلب بالمُتغيِّرات الماديَّة يورثُ حتمًا الخوف من الفقد، على عكس السَّعادة الحقَّة التي تتأسَّسُ على الرِّضا، وتكتفي بالقليل المادِّي إزاءَ الغنى الروحي الوفير.

ومن هذا المنطلق، يتحتَّم علينا الانتقال من مربَّع [الإعجاب النظري] بالبساطة إلى [ممارستها] كواقعٍ ومنهجٍ يضبط حياتنا ويوجِّهها، لننتقل فعليًّا من التنظير إلى التطبيق. ولمعرفة أين نقف، إليكم هذا [المقياس] لتحديد درجة الاستقرار الداخلي عن طريق أربعة مؤشرات:

أولًا: مؤشر السِّيادة (Sovereignty Index)

  • إلى أي مدى تملك قرارك أمام مغريات السوق؟ وهل تستطيع الامتناع عمَّا تشتهيه نفسك إذا تعارض مع مبادئك؟ وهنا القاعدة تشير إلى أنَّه [بقدر ما ينمو فيك عضلُ التَّرك الطوعي، بقدرِ ما يرتفع منسوب حريَّتك وسعادتك المُستدامة، وغيرها].

ثانيًا: مؤشر الدهشة (Awe Index)

  • كم مرَّة في يومك تتوقَّف لتتأمَّل جمال ما حولك؟ هل ما زالت ورقة شجر، أو ابتسامة طفل، أو لون الغروب، تُثير فيك شعور الإجلال؟ وانحدار هذا المؤشر نذيرُ تيبُّسٍ داخليٍّ صامت.

ثالثًا: مؤشر الاستدامة الروتينية (Consistency Index)

    • ويُقاس بمدى التزامك بمنهج [أقلِّ القليل] في الحقوق الأربعة [حقُّ الخالق، حقُّ النَّفْس، حقُّ الآخر، حقُّ عمارة الأرض]، والقاعدة دائمًا هي [أدومه وإن قلَّ].

رابعًا: مؤشِّر السكينة (Tranquility Index)

  • ما الشعور الغالب على يومك؟ القلق، أم الأمن والرِّضا؟ ولنكن على يقين أنَّ السَّكينة هي العملة الوحيدة التي لا تقبل التَّزوير في سوق المشاعر، [وشئنا أم أبينا ستظهر نتيجة هذا المؤشر في أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وحياتنا بشكل عام]، وهي الثمرة التي نجنيها من غِراس البساطة بمعناها المحمي بـ [سياج الوعي].

وصفوةُ القولِ ومُنتهاه، هي أنَّ التَّحرَّر من سجن الاستهلاك وسباق المظاهر هو [قرارٌ عقليٌّ بحت]، يفرضُ علينا أن نقف سدًّا منيعًا أمام أبواب قلوبنا لنحميها من خدعة [أريدُ المزيد] التي تسرق منَّا طمأنينة [عندي ما يكفي]؛ فنحنُ وحدنا من يملك حقَّ تقرير المصير: إمَّا أن نكونَ سادةً عقلاء نستخدمُ الأشياء لراحتنا دون أن تستعبدنا، وإمَّا أن نسلِّم قيادة دفة حياتنا لتيَّار الحياة الهادر، فنصبح مجرَّد تُروسٍ صغيرةٍ في آلةٍ لا تتوقَّف، تطحنُ سنوات عمرنا في ركضٍ مُنهكٍ خلف سراب المتعة، لنصحو في النهاية على فراغ روحي مخيف لا تملؤهُ كلُّ كنوزِ الأرض.